ابن الذهبي
34
كتاب الماء
معاً ، ولا أعْرِفُ له وجهاً . واعْلَمْ أنّ أفضل المياهِ مياهُ الأنهارِ الجارية على تُرْبَةٍ نقيّة فيتخلّص من الشّوائب ، أو على حجارة فيكون أبعدَ عن قبول العُفُونَة . وتفضّل مياه الأنهار الجارية إلى الشّرق وإلى الشّمال أو المنحدِرة إلى أسفل مع بُعدِ المنبَع وسُرعة الجرى ، فإنّ كان مع هذا خفيفَ الوزن يخيّل لشاربه أنه حلوٌ ولا يحتمِل الشّرب منه إلّا قليلا فذلك هو البالغ . وماءُ العَين لا يخلو عن غِلَظٍ ، وأردأ منه ماء البئر ، وماء النَّزّ أكثر رَداءة ومَضرّة . واعْلَمْ أنّه ينبغي أنْ يُسْتَعْمَل الماء بعد شُروع الغذاء في الهضْم ، وأمّا عَقِبَه فَيُفَجِّج ، وفي خلاله أردأ وأدعى للمرض . على أنّ من النّاس مَنْ ينتفع بذلك وهو الحارّ المعدةِ . ومن النّاس مَن تكون شهوتُه للطّعام ضعيفةً فإذا شربَ الماءَ قويَتْ ، وذلك لتعديل حرارة المعدة . وأمّا الشّرب على الرّيق وعُقَيْبَ الحركة ، وبخاصّة بعد الجماع ، وعلى الفاكهة وبخاصّة البطيخ ، فردىءٌ جدّاً . فإنّ لم يكنْ بُدّ فقليل يمتّص امتصاصاً . وكثيراً ما يكون العطش عن بلغم لزج أو مِلْحٍ ، وكلّما رُوْعىَ ( رَوِيَ ) بالشّرب ازدادَ ، فإنْ صُبِرَ عليه أنْضَجَت الطّبيعةُ الأخلاطَ المعطِّشةَ وأذابتْها ، فيسكن العطش من ذاته ، ولذلك فكثيراً ما يُسَكَّنُ العطش بالأشياء الحارّة كالعَسَل . وفي شُرب الماء عند الانتباه ليلًا تفصيلٌ ، فإنّ المحرورَ الجافَّ المعدةِ ، ومَنْ تعشَّى وأكل طعاما مالحاً ، فله أن يَشْرَبَ عند انتباهته من نومه ، وأمّا رطبو المِعَد وأصحابُ البلغم المالِح ، فلا يصِحّ أن يفعلوا ذلك لأنّه يُدْخِلُ على أنفسهم مَنْعَ الشّفاء من رُطوبات مَعِدِهم ، وتكاثُر البلغم عليهم .